محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
457
الإنجاد في أبواب الجهاد
الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ } [ الأنفال : 1 ] ، فقال أكثرهم : هي منسوخة بقوله - عز وجل - : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ . . . } الآية [ الأنفال : 41 ] . وقائل هذا القول يجعل الأنفال في الآية هي الغنائم نفسها ، وإنما أخذ النَّفل من النافلة ؛ وهي الزيادة ، قالوا : والغنائم أنفال ؛ لأن الله - تعالى - نفلها أمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، أي : زادهم ذلك وخصَّهم به دون الأمم بفضله . قال - صلى الله عليه وسلم - : « . . . وأحلت لي الغنائم ، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي » ( 1 ) . وروى أهل اللغة : أن النفل : المغنم . والجمع : أنفال ( 2 ) . قالوا : فكانت آية الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، ولم يكن أمرٌ بتخميس الغنائم وقسمها ، بل كان الأمر في الغنائم كلها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنسخ الله ذلك بآية الخمس { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] ، فاستقرَّ أمر الغنائم على التخميس ، وقسم سائرها في الغانمين على السهمان المعلومة . ورُوي في سبب نزول الآية ما يدلُّ على هذا المذهب .
--> ( 1 ) أخرج البخاري في « صحيحه » في كتاب التيمم ( الطهارة ) ( باب التيمم ) ( رقم 335 ) ؛ من حديث جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « أعطيت خمساً ، لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي : نُصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ، وأحلت لي المغانمُ ، ولم تُحلَّ لأحدٍ قبلي ، وأُعطيت الشفاعة ، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة ، وبُعثت إلى الناس عامة » . وأخرجه في كتاب الصلاة ( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » ) ( رقم 438 ) ، وفي كتاب فرض الخمس ( باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أحلت لكم الغنائم » ) ( رقم 3122 - مختصراً مقتصراً على لفظ الباب ) . وأخرجه مسلم في أول كتاب المساجد ( رقم 521 ) . ( 2 ) انظر : « النهاية في غريب الحديث » ( 5 / 99 ) . وهو قول ابن عباس ؛ أخرجه الطبري في « التفسير » ( 13 / 362 ) بسنده إلى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس . وعلٌّقه البخاري في « صحيحه » في كتاب التفسير ( رقم 4645 ) . وأورده ابن كثير في « التفسير » ( 3 / 545 ) ؛ وعزاه إلى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس بلفظ : « الغنائم كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة ليس لأحدٍ منها شيءٍ » . وهو قول غير واحدٍ من التابعين أنها الغنائم ، كما ذكر ذلك ابن كثير - أيضاً - .